السيد محمد الصدر
136
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الأمر الأول : إن قوله وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ فيه دلالة على أن ما يعبده النبي صلّى اللّه عليه وآله واحد . لذا تمّ تكراره باللفظ لعدم وجود دال آخر عليه . بخلاف الطرف الآخر أي الكفار . فإن ما يعبده الكفار متعدد . كالأصنام والنفس . قال تعالى « 1 » : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ . والشيطان قال تعالى « 2 » : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ . وغيرها . ولذا ورد بصيغة المضارع تارة ، وبصيغة الماضي تارة أخرى . فإن عبادة كهذه تكون بحسب الشهوة والمصلحة الدنيوية ، فيعبد شيئا في الماضي ، ثمّ يعبد شيئا آخر في المستقبل ، وهكذا . الأمر الثاني : إن قوله تعالى : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ، يعدّ تكرارا بحسب المعنى العام للسورة . ويفيد التأكيد تأكيدا . وبحسب البلاغة ينبغي تغيير العبارة بتغيير اللفظ . فهو بمنزلة النتيجة للمقدمات التي سبقته . يعني : بما أنكم لا تعبدون ما أعبد وبما أني لا أعبد ما تعبدون ، إذن لكم دينكم ولي دين . وهنا يرد السؤال : إنه قد يستشعر من ذلك إمضاء أديان الكافرين . وسيأتي جوابه عند الحديث عن هذه الآية الكريمة . هذا كله ، بالنسبة للمضمون العام للسورة ، وهو التكرار ، وندخل الآن في تفاصيل السورة ، ضمن الأسئلة الآتية : سؤال : لما ذا قال : يا أيها ، ولم يقتصر على حرف النداء ، أو على أحد هذين اللفظين ؟ جوابه : حسب فهمي : إن يا للنداء ، أما « أيها » فهي ليست للنداء بل هي وصلة وتسبيب لدخول حرف النداء . فلا تصلح للنداء وحدها . وإن حصلت وحدها كانت بتقدير الحرف قبلها لا محالة .
--> ( 1 ) الجاثية / 23 . ( 2 ) الأنعام / 121 .